يوسف الصائغ في ذكرى رحيله: ما زال غزالاً يطارده قاتلوه حتى بعد الموت

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
30/01/2012 06:00 AM
GMT



كنت طالبة في الثانوية حين كتبت قطعة أدبية وأرسلتها الى يوسف الصائغ، شاعري المفضل، آنذاك،  الذي كان يحرر صفحة في مجلة "الف باء" البغدادية بعنوان "أفكار بصوت عال". وكنت أتوقع، في أحسن الأحوال، أن ينوه بها أو يحيلها إلى بريد القراء. لكنه توارى من صفحته وأفسح في المجال لخاطرتي التي نسيت، اليوم، موضوعها.

ذلك كان اللقاء "المعنوي" الأول بيننا. وعندما دخلت كلية الآداب في جامعة بغداد لأدرس الصحافة، قبل أربعة عقود، وجدته أمامي طالباً كهلاً يعد أُطروحة ماجستير في الأدب، يقف في حديقة الكلية محاطاً، دائماً، بطالبات تكسرت قلوبهن وهن يقرأن مرثيته البديعة لزوجته، "سيدة التفاحات الأربع"، التي نزفت دمها وماتت أمام ناظريه في حادث سيارة في جبال الشمال. إن الحزن يليق بالشعراء. وقد عرف الصائغ كيف يوظف أحزانه ومراثيه في أشعاره وتبنى، بجدارة، صورة الإنسان المقهور أمام الخسارات. كان خسران في الحب. وخسران في السياسة. وخسران في الصداقات. وقد مات في دمشق خاسراً وطنه الذي احتله الأميركان... الوطن الذي أبى، في قصيدة شهيرة له، أن ينظر إليه من ثقب الباب بل من قلب مثقوب.

سافرت لإكمال دراستي في باريس ودخل الصائغ المعتقل بعد انهيار ما كان يسمى بالجبهة الوطنية التي شارك فيها حزبه الشيوعي. ولما عدت في زيارة قصيرة سمعت أنهم قد أطلقوا سراحه وهو يقبع وحيداً في بيته، صوب الكرخ، لا يزور وقلما يزار بسبب مراقبة الأمن لمن يتردد عليه. وحين اتصلت به صاح حالما سمع صوتي: "تعالي... ولكن أوقفي السيارة في الشارع العام وأكملي سيراً". كان صاحب الدكان المقابل لبيته يكتب التقارير ويسجل أرقام السيارات. وحين وصلت متسترة بالمغيب، فتح الباب قبل أن أرن الجرس ثم أغلقه على عجل وأسدل الستائر. إنه واحد من تلك البيوت البغدادية التي بنيت في خمسينيات القرن الماضي، تتقدمها حديقة واسعة ذات شذى ليليّ وتطرز جدرانها تلك السحلية المحلية الشهيرة باسم "أبو بريص". لكن سقوف يوسف وجدران بيته الداخلية كانت، كلها، مرسومة بتهويمات وأشكال هلامية لكائنات تشبه الملائكة ولحوريات ذوات شعر مسترسل يتطاير بفعل ريح مفترضة.

قال لي إنه يضجر كثيراً ولا يجد ما يفعله سوى الرسم، إحدى الهوايات التي رافقته منذ طفولته الموصلية وكان يجد فيها تخفيفاً من وحشته. أليس هو الذي رسم سقف كنيسة "الطاهرة" في الموصل على غرار رسوم ميكل أنجيلو لسقف كنيسة "سيكتين" في الفاتيكان؟ تذكرت أنني كنت شاهدة، في مرسم ضياء العزاوي، على ولادة لوحة إشترك يوسف الصائغ في رسمها مع الشاعر شفيق الكمالي ومع العزاوي. ولعلها كانت سذاجة مني، يومذاك، أن التقطت صورة للثلاثة مع اللوحة غير المكتملة، المسندة إلى قائمة الرسم الخشبية، ونشرت موضوعاً عنها في جريدة "الثورة"، مع ما قد يسببه ذلك من إحراج لهم بسبب اختلاف مشاربهم السياسية والتقائهم كأصدقاء . من منا لم يكن ساذجاً في تلك الفترة الواعدة من أواسط سبعينات بغداد، أيام الجبهة الوطنية؟

لم أُطل المكوث في بيته لأنه كان خائفاً عليّ. وقبل انصرافي أعطاني مجموعة وريقات مربعة صغيرة من النوع الذي يستعمل لتسجيل الملاحظات، وأخبرني أنها قصائد كتبها في المعتقل ويريد إيصالها الى أصدقائه الذين كان أغلبهم قد هرب من البلد، وطلب مني أن أُسلمها، في باريس، الى صديقنا المشترك الفنان والشاعر محمد سعيد الصكار. وهكذا كان. وفي تلك القصاصات قرأت:

"بابي مفتوح طول الليل

مرّ به إثنان

شرطيّ سريّ وصديق سكران"

و قرأت:

"كنت متكئاً في سريري

وإلى جانبي امرأة عارية

فجأة فُتح الباب

جاء رجال ثلاثة

أخذوا امرأتي وخلوا إلى جانبي

امرأة ثانية..."

ثم دارت الأيام و"تاب" الصائغ عن شيوعيته وبدأ يحرر صفحة في جريدة "الثورة"، كما عاد الى الوظيفة وصار مديراً عاماً في وزارة الثقافة والاعلام. وفي إحدى المرات، زرته في مكتبه في دائرة السينما والمسرح، وتصادف وجود الصديق والزميل محمد كامل عارف عنده، وقد أصر على أن يخرج بنا إلى الشرفة العريضة الملحقة بالمكتب والمطلة على دجلة وحي "كرادة مريم"، وهو يسخر معنا من تلك الوجاهة التي لا تناسبه كثيراً. ثم صرت ألتقيه، بين سنة وأُخرى، حين كان يأتي إلى باريس برفقة صديقه الشاعر حميد سعيد لكي ينقلا إلى المثقفين والصحافيين العرب والأساتذة الفرنسيين دعوات لحضور مهرجان "المربد" الشعري في بغداد.

في باريس، لم تكن هناك عيون تراقب. وقد زارني الصائغ وصحبه في شقتي وكان نزقاً في مرارته وهو يحنق على رفاقه الذين "يتسكعون في هذه البلاد" بينما يعاني العراق وأهله من ويلات الحرب مع إيران. ثم فوجئت به يهاتفني في وقت مبكر، بعد يومين، ويدعوني لكي نفطر في أحد مقاهي "الشانزليزيه"، غير بعيد عن الفندق الذي كان يقيم فيه. ولما خرجت من نفق المترو وجدته واقفاً يدخن بعصبية، وسار بي، بدل المقهى، إلى "بار ألكسندر" الذي كان عند مفرق جادة جورج الخامس، وبدأ يشرب. وهو تحصيل حاصل لا يزعجني لأنني أعرف أن رجالنا يعاقرونها منذ الأزل. لكنني لم أفهم ذلك الهروب الصباحي إلى الخدر. وخمّنت أنه كان محتاجاً للكلام، وللإبتعاد، لبرهة، عن الصحب الذين ما زالوا نياماً بعد سهرة الليلة السابقة.

يجيد يوسف الصائغ تقمص عدة أدوار في الجلسة الواحدة، وهو المحتال الصادق فيها كلها. فهو المريض، أو المقهور، أو المظلوم، أو العاشق المهجور، أو العدواني، أو المغرور. فإذا ما شعر أن إداءه بات يقترب من الخزعبلات وأنه يجالس صديقة قديمة تحاصره بالشكوك، خلع كل أدواره وهدأ منكفئاً على قدحه ولفّه حزن عميق. ثم، كما الصحوة، يرفع رأسه ويتأمل الأغراب السائرين في الشارع المتعالي ويهمهم مطلعاً هبط عليه، فجأة.

"هل لديك ورقة؟".

لم يكن معي سوى غلاف رسالة مهملة في حقيبتي، فتناوله وراح يكتب، مرتجلاً، على ظهره:

"إيه ... إيه

يا رجلاً ضيّع نفسه في بغداد...

عبثاً تبحث عن نفسك في الشانزليزيه

كفّ عن التفتيش وتعلّم آخر عمرك

كيف تحبّ ... وكيف تعيش".

ثم وقع الأبيات بتوقيعه المتصل وكتب" باريس 1985، 4 تشرين الثاني"، ودفع بالغلاف لي وهو يؤكد، بلهجة موصلية تجمع بيننا، أنه لن يغفر لي، مطلقاً، أنني لا أهتم بمعاناته وسأبقى "كلدانية خوّافة". هل ذنبي أنني كنت أعتبره، دائماً، ذلك الشماس الذي يرتل الصلوات، بصوته المجروح، وراء الكاهن في القداس، ويهزّ المبخرة لكي تنشر ضوعها بين المصلين؟ كيف أفصل شماس الكنيسة عن الشاعر الذي يمتهن غواية النساء؟ قال إنه سافر، تلك المرّة، وهو كئيب جداً لأنه يعرف أن السفر لن يقدم له شيئاً وأنه لن يُسرّ به ولن يبتهج. ومن مقدمات كلامه، عرفت أن الإعتراف سيمتد وأنه يريد مني أن أكون محاميته عند الأصدقاء المشتركين. وأخرجت آلة التسجيل الصغيرة التي لا تغادر، مع الكاميرا، حقيبتي، وطلبت منه أن نسجل الحوار لكي أنشره في المجلة التي كنت أعمل فيها. كما أخذت له صورة جاهد فيها لكي يبتسم. وحالما دار المسجل تخلى يوسف عن لهجته الموصلية وطلب كأساً أُخرى راح يتكلم بالفصحى.

في الشريط الذي أستعيده، اليوم، أسمعه يشكو من الأصدقاء الذين انفضوا عنه بعد ما اعتبروه "خيانة" للمبادئ. يقول: "في السفرة الماضية، كان عندي شوق لهم لكن السفر برهن لي أنه شوق باطل. فأنا قد تبدلت وأصدقائي يتبدلون. إن مسافة من الزمن فصلت بيني وبينهم فلم نستطع أن نبدأ من حيث انتهينا. لقد وجدت لديهم ملامح جديدة، وعندي دمامل جديدة. وعندهم دمامل قديمة وعندي ملامح جديدة. أما اللغة فلم تعد صالحة بحيث أن شوقي لم ينطفئ فحسب، بل أحسست بأن شوقي لم يكن في محله. ولم يعد السفر يعني لي شيئاً لأنني لم أجئ لأبحث عن باريس، فأنت تعرفين أن الأمكنة لا تهمني ولا الشوارع ولا الأسماء... تلك الأسماء التي تبهر الناس لكنها لا تبهرني. وحتى نسوان باريس لم يبهرنني".

حاولت أن أستفزه فقلت له إنني رأيت السائحات العربيات، في هذا الشارع، تهرعن للسلام على محمود درويش أو التقاط صورة مع نزار قباني، فلماذا لم تلتفت له إحداهن... هل هو شاعر مغبون على صعيد الشهرة والانتشار بين القراء العرب؟

أجاب أن الأمر لا يشغل باله كثيراً. أما إذا كان مغبوناً فلذلك أسباب معروفة: لقد كنت، منذ بدايتي، شاعراً سياسياً، أي محسوباً على فئة سياسية. ولم يكن شعري يعجب تلك الفئة. ولو راجعته فلن تجدي فيه ما يشكل إعلاماً لأي جهة سياسية، بل على العكس من ذلك، لم يكن يجاري التيار. كان شعراً لا ينتقد أو يجرح أو يعاني أو يكشف حال منتم سياسي. ولم يكن في نية أولئك الذين انتميت إليهم أن يجعلوا من شعري حالة أو أن يروجوا له. بل إن كثيراً من قصائدي ما كانت تسرهم. لقد فتحت السياسة الأبواب لكثيرين من الشعراء وروّجت المؤسسات السياسية لكثيرين. في حين لم تروّج لي تلك المؤسسات لأن شعري لم يكن في الخط الإعلامي الذي تريده. أما الفئات الأُخرى فلم يرق لها شعري، أيضاً. ولهذا السبب أنا مغبون قليلاً. ثم أن شعري لا يصلح للغناء. فهو لا يشبه شعر نزار قباني بحيث يمكن أن تغنيه نجاة الصغيرة أو أُم كلثوم. إنه ليس شعراً للترنيم، ولا هو شعر غزل صاف بحيث يحفظه الشاب ويقوله لصديقته. وشعري، أخيراً، فيه من الخصوصية بحيث لا يتاح إلا لمن يعرف التجربة التي عايشت. فمن أين يأتيه الرواج إذا كنت، أنا نفسي، لا أسعى إليه سعي الآخرين له؟ علماً أن في شعري من الصدق ما قد يتنافس مع الآخرين".

سيكارة عاشرة وكأس ثالثة وانتفاضة جديدة: "لماذا على الشاعر أن يكون نجماً؟ أنا يحرجني هذا وأخجل منه. وهو قد يرضيني ضمن حدود صغيرة، كأن أكون شهيراً بين الذين أُحبهم، ويعجبني أن يوصلني شعري إلى الحبيبة وأُريدها أن تحبني لشعري. أن يكون شعري هو البداية. أن يحبني الصديق لشعري. أما عموم الناس فلا أطمئن، أصلاً، إلى قدرتي على أن أكون شهيراً بهذا المستوى. ولا أفهم كيف يحب الناس شاعراً. إنها حالة اجتماعية غير ثقافية، مثل هامبرجر "أبو يونان" في بغداد، هذا المطعم الذي كان رائجاً جداً بحيث لا يعرف صاحبه، ذاته، لماذا اشتهر. وهناك من الشعراء من يشتهر على الطريقة نفسها لأسباب كثيرة، لست منصرفاً إلى تأملها".

كان منفعلاً وساخراً ومقهوراً في ذلك النهار الخريفي الجميل، فخجلت من استفزازي له وقلت له إنه نجم على المنبر ويعرف كيف يجيد الإلقاء وكيف يتألق ويحوز الإعجاب و... قاطعني: "إن لم يحسن الشاعر قراءة شعره فأي شيئ يحسن؟ إن لم يعرف كيف يقول للحبيبة... أُحبك... فماذا يعرف إذاً؟ إن شعري يصلح لي وقد كتبته لكي أنفعل به. وعندما أقرأه وسط حالة شعرية تخلقها صالة، وجمهور لا أعرفه ولا أُميّز شخصاً فيه، ولا أنظر إلى عينين مسحورتين تسمعانني، أُحس بأن هناك حالة غريبة تصعّد فيّ حمّى من نوع خاص، وكأن القصيدة تخرج مني للمرة الأُولى، وكأني أسمعها مع السامعين، وأفهم نفسي من جديد. لا، بالتأكيد لست نجماً ولست مسؤولاً عن نجوميتي داخل القاعة. إن المسؤول هو الحالة الشعرية التي لا أفتعلها ولا أسعى إليها. وأعترف أنني، أحياناً، أُحاول أن أقرأ جيداً فتكون النتيجة أسوأ القراءات. وإذا توخيت الدقّة فأنا شخص غير جيد الإلقاء لأن نطقي ليس سليماً، والسين أتلفظها، بعد أن سقط سنّي، ثاء، ومخارج الحروف عندي ليست واضحة، وصوتي مبحوح. وأذكر أن سيدة جاءتني وأنا أقرأ الشعر في تونس وقالت إنها معجبة بصوتي. فقلت لها إنها المرة الأُولى التي أجد فيها من يعجب بمرض وبتعب الحنجرة.

نحن الآن وقت الضحى، والحركة تتصاعد في الشارع الذي يضم أفخم متاجر باريس، والعابرات يتمهلن عند الواجهات، ثم تمضين تاركات نفحات من عطورهن. والشاعر الآتي من بلاد الحرب يتفرج مبتئساً مثل يتيم في عيد. هل هي الحرب والمخاطر والإيقاعات المتسارعة  ما جعله يطرح الغنائية ويتبنى قصيدة الضربة الموجزة؟ إنه يرى أن قصيدته تغيرت بسبب تبدل خبرته وتجاربه وبفضل التمكن، ويقول: "عندما يملك الانسان تجربته يستطيع أن يعبر عنها بأبسط ما يمكن وبأقل الكلام. أما الذين ما زالوا على حافة تجربتهم فإنهم يحتاجون إلى وصفها لأنهم لم يتعمقوا فيها. وقد كنت أصف مشاعري ولا أفتحها، أي لا أضعها أمام الآخرين لأني لست ممتلكاً لها. أما اليوم فأتحدث عن تجربة أعرفها جيداً وأُصادقها، وهي نفسي. وعندما أفتح نفسي تخرج الكلمات بسيطة وواضحة. إنها القدرة على كشف جزء كاف من التجربة بحيث يصبح هذا الجزء دلالة على حالة كاملة.

أين ذهبت، أيضاً، إستعاراته من التوراة والإنجيل ونشيد الإنشاد التي كان بعضهم يسميها سرقات؟

"لماذا يسمونها سرقات؟ لقد كنت متأثراً بتلك القراءات ثم شحب تأثيرها عليّ. إن هناك من يتهمني بأنني استعرت جملة من هنا أو صورة من هناك. ولم لا؟ لقد أخذ إليوت نصف الإنجيل والتوراة في "الأرض الخراب" دون أن يتهمه أحد بالسرقة. إن تأثري بالإنجيل لم يعد بتلك الفاعلية. أنا لي، اليوم، أناجيلي الشخصية التي أعبّ منها ومن ذاكرتي المليئة بالتراكمات. وإذا عدت إلى قصائدي القصيرة وأعدت قراءتها واحدة تلو الأُخرى لوجدت أنها ليست سوى قصيدة واحدة طويلة في مجموعها ولها سياق واحد. إن كل حالة أعيشها تمنحني سلسلة من الصور، وهكذا تصبح القصيدة القصيرة مقطعاً من حالة، وتستمر هذه الصور ويبدأ بالتراكم وتتحول إلى ما يشبه السيناريو، صورة مضافة إلى صورة مضافة إلى صورة. وأنا أقوم بالمونتاج المناسب. وإذا صح التعبير فأنا أطمح إلى القصيدة ـ السينما، أو القصيدة ـ الفيديو التي تشبه خبرتنا مع الفن في أحسن صوره المعاصرة. إسمعي:

"الدنيا غائمة

وحبيبة روحي نائمة

والقهوة فوق النار

يختلط الآن شميم الحب

بعطر القهوة وهي تفوح

ورائحة الأمطار"

واسمعي:

"يدها دافئة

ويدي باردة

خلطنا أصابعنا

وقطفنا معاً زهرة واحدة".

وإليك هذه:

"نافذة مطفأة

تلوح فيها امرأة

مشدودة فوق سرير حديد

وقطة تشوى على المدفأة

وطفلة نيئة

ووطن حر وشعب سعيد

ونيّتان

نيّة طيبة ونيّة سيئة".

وهذه:

"أنت الآن هي الوطن المحتل

وأنت القدس المغتصب

والمغتصبون صهاينة عرب

يا طفلة روحي

أعرف أن فلسطين ستعود إلينا

يوم تعودين".

أسأله، بعد تردد، إن كان سعيداً بمنصبه الوظيفي الرفيع فيأتيني صوته المبحوح، في شريط التسجيل العتيق، وهو يقول إنه يعيش في دعة لكن الحزن يتسلل إليه، أحياناً، ويحاصره فيشعر بالوحدة لأن أصدقاءه بعيدون ولأن الحزن هو أشرف الفصول. أليس هو الذي كتب في مسرحية "الباب": "لا بأتس بالحزن إذا كان ابن أوادم"؟ إن حوصلته ضيقة وهو لا يطيق اللاتفاهم، ويقول إنه يتصور، في لحظة ما، أنه قد تفهم، وفي اللحظة التالية يكتشف أن كل ما بناه من التفهم غلط، فينعزل ويبقى وحده. تصبح لغته وحده. أحلامه وحده. شهواته وحده. ومشاريعه وحده... "وعند ذلك أجلس وأُحصي دموعي مثل نيرون".

"حين أعود إلى بيتي كل مساء

يخرج حزني من غرفته مرتدياً

معطفه الشتويّ ويسير ورائي

أمشي يمشي

أجلس يجلس

أبكي يبكي لبكائي

حتى ينتصف الليل ونتعب

إذّاك أرى حزني يدخل للمطبخ

يفتح باب الثلاجة

يخرج قطعة لحم سوداء

ويعدّ عشائي".

 مخطوطة "غزال يطارده قاتلوه".

 تزوج يوسف، بعد زوجته وحبيبته جولي، لكن جثتها المدماة في العراء ظلت تسكنه وتتسلل إلى قصائده. ويقول لي إنها عندما ماتت فإنه لم يبحث عنها وراءه بل راح يبحث أمامه، فربما يصادف الحبيبة هناك. " هي لم تمت وحدها فحسب، بل متّ أنا نفسي كثيراً... ثم انتفضت فزال القبر والكفن".

ظل السؤال الكبير معلقاً في نظراتي. ولم أتلق جوابه إلا بعدما غادر يوسف الصائغ، مع وفد المربد، عائداً إلى بغداد. لقد ترك لي، ورقة مستلة من دفتر، خطّ فوقها بالحرف المرسوم ما يلي:

"غزال يطارده قاتلوه... فيهرب

عيناه واسعتان وقلبه أخضر

حتى إذا حاصرته بنادقهم

توقّف محتمياً بوداعته

وأمال لهم رأسه

وحدّق فيهم حزيناً وقال لهم:

تعبت فلا أستطيع الفرار

افعلوا ما تشاؤون".

توفي يوسف الصائغ في الخامس من كانون أول (ديسمبر) 2005، في دمشق، بعد أن عاش 72 عاماً، وفيها ووري الثرى.

(عن مجلة الدوحة)

 inaam.kachachi@yahoo.fr